محمد بن زكريا الرازي
284
الحاوي في الطب
هذا كلام كلي في الفرق بين الحميات يترك بحاله ليكون اتصاله على ما يجب وتنقل دلائل كل واحد في بابه فيجتمع هاهنا وثم فيكون أبلغ . قال حنين في « المسائل » : إذا كانت قوة المريض قوية واحتجنا أن نستفرغ بدنه وهو محموم استفرغناه منذ أول الأمر بلا تهيب ، وإن كانت ضعيفة لم نستفرغه لكن نستعمل فيه أولا المطفئة حتى إذا تراجعت القوة استفرغناه . أغلوقن : ينبغي أن تروم في الحميات العفونية أن تعلم من أي جنس هي في أول يوم ، فإن لم يكن ففي الثاني ، فإن لم يكن ففي الثالث لا محالة تتعرف ذلك وما أقل ما يحتاج منها أن تنتظر تعرفها في الرابع . الحميات التي تبتدىء بنافض اعلم أنها من التي تنوب بأدوار وذلك أن الغب والربع في الأكثر يحدث مع نافض إلا أن الغب منذ أول حدوثها تبتدىء بنافض شديد ، فأما الربع فلا أعلم أني رأيتها تبتدىء بنافض شديد لكن بعقب حميات مختلفة ، فأما النائبة كل يوم فلا تكاد تحدث إلا مع علة في فم المعدة كما أن الربع لا تكاد تحدث إلا مع علة الطحال ، وأما التي تبتدىء بنافض شديد فهي أن تكون غبا أولى من أن تكون غيرها ، فإن شهد لك مع ذلك سائر تلك الدلائل أعني السن والوقت والبلد وإن حمى كثير من حمى غب في ذلك الوقت والتدبير قبلها وحال الحمى ، وذلك أن الغب ينبغي أن تكون حرارتها كثيرة حادة ، والنبض فيها قويا عظيما سريعا متواترا لا اختلاف فيه إلا الاختلاف الذي للحمى خصوصية ونافضها كأنه شيء ينخس الجلد حار ويكون ذلك بأن يؤلمه النخس أشبه منه بأن يؤلمه البرد بخلاف حال نافض الربع والنائبة كل يوم ، وذلك أن هؤلاء يحسون من نافضهم ببرد ، فإذا صح لك من شدة النافض هذا النوع منه والأحوال التي ذكرت وهي التدبير المتقدم الموجب لتوليد المرار كالكد والتعب والأطعمة المرارية والزمان الحار والسن والمزاج ، وإن عرض لكثير حمى غب ورأيت مع ذلك عطشا وقيأ ومرارا وعرقا مراريا تبع حماه أو جميعها ورأيت بعد انحطاطها نقي من العرق والاختلاف الذي يخص به الحمى فثبت الحكم أنها غب كما أنك لو رأيتها قد نابت غبا ، فأما إن كان النافض يسيرا فنظرك في سائر هذه الدلائل ينبغي أن يكون أكثر لأنه قد يمكن عند ذلك أن تكون النائبة في كل يوم أو الربع أو شطر الغب فليكن تفقدك لسائر ما ذكرت عند ذلك أشد وأكثر . دلائل الربع ، قال : من أبين دلائلها دليل يظهر في أول نوبتها ما دام النافض قائما وهو أن يكون نبضه شديد التفاوت شديد الإبطاء في ذلك الوقت ، فأما في حال انتهائها فلا بد أن يحدث في النبض تواتر وسرعة إلا أنه على حال بطيء متفاوت بالإضافة إلى النبض في منتهى الغب . قال : والاختلاف الذي في نبضة واحدة إلى الحميات مخصوصة به في الغب « 1 » أبين ،
--> ( 1 ) لعلها : الربع .